هشام جعيط

25

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

وللمثنى في التغلب على صدمة الهزيمة ناسبا إياها إلى الخطأ لا إلى ضعف عسكري هيكلي . ولولا إصرار عمر ، ولولا ما بذله المثنى من جهد تنظيمي حيث نراه دائما مستعدا لتصحيح أخطاء الآخرين ، خاضعا لتدخلات السلطة بالمدينة وعزمها على إبعاده عن القيادة ، لبدا فتح العراق بعد انهيار الجسر أمرا بعيد المنال بالنسبة للعرب . ومن يدري ، لعل فتح الشام أيضا ستهدده بعد ذلك وعلى المدى المتوسط الدولة الفارسية لو أتيح لها الوقت لاسترداد قواها . 2 ) البويب بقي المثنى وحيدا من جديد . وتعذر استغلال التقدم الذي اكتسبه الفرس في معركة الجسر ، لما كانوا عليه من خلافات داخلية « 1 » . لكن المثنى احتاط وتراجع إلى الطفّ ، فبلغ إمّا أليس الصغرى ، أو أقام بين خفان والقادسية تاركا الحيرة . عند ذلك قرر عمر توسيع التجنيد ، وتجاوز الدائرة المدنية - القرشية - الثقفية من العرب المستقرين الأوفياء للسلطة الحاكمة ، وقرر تعبئة القبائل والعشائر داخل جزيرة العرب . كان هذا الانفتاح تدريجيا لا محالة ، يجري حسب نظام التطوع كالعادة وبمساعدة شيوخ العشائر ، ولم يتقرر ، بعد آنذاك استنفار العناصر التي أمعنت في الردة . كان عمر يقصد محو هزيمة الجسر وحمل العرب أيضا على قبول فكرة الهجرة إلى العراق « 2 » ، فوجهت الدعوة إلى قبيلة بجيلة . وكانت بجيلة من أصل يمني ، وأقامت قبل ذلك بالسراة ثم دحرت وشتتت ، وتفرقت ( تحت ضغط الأزد ؟ ) . وكان جرير بن عبد اللّه البجلي وهو من صحابة النبي ومن المقربين لعمر ، يسعى إلى جمع أفراد هذه القبيلة المتفرقين ، ويحاول أن يعيد تشكيل قبيلته فردا فردا « 3 » . فالتقى مشروع

--> - 458 . ولنذكر أن القرآن بعد وقعة أحد أنب المؤمنين الفارين من القتال ، إلّا إذا حصل تجمعهم لدى مؤمنين آخرين : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الأنفال ، 16 . واعتمد عمر تفسيرا آخر للآية ليعيد لرجاله هيبتهم كما كانوا يتصورونها . وتحدث أيضا البلاذري عن تقتيل الأنصار ، ص 253 ، لكن القصة التي أوردها عن معركة الجسر كانت موجزة ضعيفة التماسك في مجموعها . ( 1 ) روى ذلك الطبري نقلا عن سيف قال : « وأتى ذا الحاجب الخبر باختلاف الفرس » ، ج 3 ، ص 458 . وعاد بجيشه . ( 2 ) الطبري ، التاريخ ، ص 460 - 464 ؛ الدينوري ، ص 114 . كان على عمر أن يقنع المتطوعين ، وأكثرهم من القادمين من اليمن ، باختيار الإقامة في العراق . ( 3 ) لعلّ بجيلة تفرقت بعد حرب الفجار : الجمهرة ، ص 390 ، فاعتزم جرير جمعها في حياة الرسول حيث حصل على وعد منه في هذا المعنى ، فذكر أبا بكر بالأمر حين انضم إلى جيش الشام ، لكن أبا بكر أجّل المشروع إلى وقت لاحق لكثرة مشاغله : الطبري ، ج 3 ، ص 365 . والملاحظ أن نسبته لحمير لا لبجيلة في هذا الخبر . وتوجد هذه النسبة أسفل الوثائق التي يعتقد أنها أبرمت بين خالد وأهل الحيرة : المرجع نفسه ، ص 368 -